الشيخ محمد آصف المحسني

79

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

تحليل وتسجيل الماهية قبل انتسابها وارتباطها بجاعلها لا شيء محض ، وإنّما تتحقّق بجعل الجاعل ، فهذا التحقّق والتكون والتبرز - وما شئت فسمه - أمر خارج عن نفسها ، مترشّح من فاعلها وخالقها ، فالماهية كما تحتاج في حدوثها إلى المؤثّر المكون المحقّق كذلك في بقائها ، فإن التكوّن الجائي من قبل الجاعل لا يصير ذاتيا لها بعد الحدوث حتى ينقطع حاجتها إليه . ومنه يبطل السؤال المشهور عن التأثير ، وأنه أمّا في الوجود الحاصل فهو تحصيل الحاصل المحال ، وأما في الوجود الجديد فيكون التأثير في أمر جديد ، فلم يثبت التأثير في الباقي . وجه البطلان : أنّ التأثير في بقاء ذلك الوجود السابق ، وأثر الجعل هو البقاء ، فإنّ الماهية المتحقّقة لا اقتضاء لها لتحقّقها في الآن الثاني ، فتفتقر فيه إلى مؤثّر يبقي تحقّقها الأول بحاله . ولعلّ ما قيل : من اختيار الشق الأول من السؤال ، وأن التأثير في الوجود الأول لكن في الزمان الثاني ، وهذا تحصيل للحاصل في الزمان الأول ، في الزمان الثاني ، يرجع إلى ما قررنا . ثم لا ينبغي للباحث ان يتوهّم - كما توّهم « 1 » - أن استمرار الوجود الأول إمّا حاصل قبل هذه الحالة ، وإما ليس بحاصل ، فعلى الأول يلزم تحصيل الحاصل ، وعلى الثاني يلزم التأثير في الأمر الجديد ضرورة أن إبقاء الوجود الأوّل لا يعدّ من التأثير في الجديد . هذا وإن شئت وضوح ما قلنا فاعتبر كيفية الصور المرتسمة في ذهنك ، فإنّها كما يستحيل حدوثها من غير الالتفات والتوجّه ، كذلك يمتنع بقاؤها مع الغفلة والذهول . ويمكن ان نختار الشق الثاني ونقول : إنّ أثر التأثير هو الوجود الثاني على سبيل الاتّصال بالوجود الأول من غير انقطاع ، وهذا يسمّى عند العرف بالاستمرار ، فليس فيه خلاف الفرض ؛ لأنّه ليس بأمر جديد ، وإنّما يلزم خلاف الفرض لو كان الوجود الثاني منفصلا عن الوجود الأول ، ولك أن تقيس المقام بضياء الكهرباء حيث يتولّد من الطاقة الكهربائية في كلّ آن ضوءا جديدا ونورا ثانيا . ومع ذلك كان الوجودات المتلاحقة عندهم استمرارا وبقاء كما لا يخفى . تكميل وتطبيق هذا كلّه حسب كون الإمكان هو العلّة للافتقار ، وأمّا بناء على سببية الحدوث ، أو شطريته أو شرطيته فيلزم كون الممكن بعد حين الحدوث مستغنيا عن المؤثّر ؛ إذ لا حدوث بعد الحدوث الأول حتى يفتقر . وقد التزمه جماعة من القائلين بها ، وقالوا : إنّه لو جاز العدم على الواجب الوجود لبقي العالم بحاله ، ومثّلوا ببقاء البناء بعد فناء البناء .

--> ( 1 ) درر الفوائد / 136 .